رفيق العجم

مقدمة 24

موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي

لقد ذهب المعتزلة في الحرية العقلية وفي قدرة العبد على الفعل مذهبا معروفا ، أقرّ استقلالية العقل ، وسار خطوات في تخليص التفكير من التباسه الدوغماطي ، وتسليمه الإيماني المطلق الذي يؤدّي إلى تسيير العبد تسييرا تامّا . ورأوا أن هذا التسيير يضع تساؤلا حول معنى التكليف الإلهي وما يترتّب عليه من ثواب وعقاب ، بحسب ما نادوا به . نشأ هذا التيّار في القرنين الثاني والثالث الهجريين وامتدّ لاحقا . والمطّلع على نشوء الفرق والأحزاب وتكوّنها ، وعلى نموّ أشكال الإنتاج والاقتصاد ، يرجّح وقوع تساوق أو تأثير بين هذه الظواهر . ففي ظلّ حكم سياسي ينادي بالجبرية ويقارع الخصوم والمتطلّعين إلى السلطة من الطبيعي نشوء معارضة وتيارات عقدية تناوئ هذه الدعوة بضدّها ، أي بتنصيب الحرية أمام العبد ليطلق مبادراته ، وإشهار العقل سلاحا ضدّ الثبات الدوغماطي التوكيدي ، ليفهم هذا العبد العقيدة ، ويحاجج في ساحة تموج فيها الأديان والعقائد والأفكار المستجدّة والنزعات المختلفة . كما وأن التحوّل من الرعي إلى الزراعة ، ومن التجارة البسيطة إلى الكثيفة والمعقّدة ، ومن الحرف الأولية إلى الحرف الموسّعة المتطوّرة نسبيّا باتجاه نوع من الصناعة ، كلها أملت تيارا يعتمد على الحرية للسعي والنشاط وعلى العقل للمبادرة إلى إنتاج الحلول واستيعاب العلوم التي تخدم هذه التحوّلات . ولم يكن العصر على المستوى النظري والكشف العلمي آنذاك قد تجاوز فكرة الجوهر والعرض ، التي على أساسها تقوم الموجودات ، بمثل ما بقي أسير المقولة الأرسطوية باعتماد الأجسام والموجودات في التكوّن على مبدأ الهيولى والصورة . أما على المستوى المنهجي فكان الربط والمقابلة والمشابهة بين الطبيعي وما بعده قائما ، ممّا ولّد منهج الاستدلال بالشاهد على الغائب ، ووصف الإلهي على قدر الطبيعي ، بحجّة التقريب للأذهان أو لأن اللّه خلق الإنسان على صورته الخ . وكان أن رفض المعتزلة الهيولى والصورة واعتمدوا مع العلّاف نظرية الجزء الذي لا يتجزّأ في الأجسام ، ونفوا الصفات عن اللّه فسمّوا معطّلة . ومردّ ذلك الأصل الإسلامي بعمقه الذي جاء في القرآن الكريم ، والذي دعا بعض أوائل المعتزلة ، القاسم الرسي ( 169 - 246 ه ) ، إلى القول بأن الخلق عملية مستمرّة ، وليس في الوجود من له صفة الألوهية إلا اللّه ؛ فمعرفة اللّه : « إثبات ونفي ، فالإثبات هو اليقين باللّه والإقرار به ، والنفي هو نفي الشبيه عنه تعالى وهو التوحيد « 1 » » . وقد أشرنا إلى ذلك بالقول : إن المعتزلة والأشاعرة توافقا على الخلق المستمرّ والخلق من دون واسطة وفعل اللّه المطلق . والملفت عند المتكلّمين أن العرض الذي يحدث ويزول لم يكن نتيجة أثر طبيعي قائم

--> ( 1 ) القاسم الرسي ، كتاب أصول العدل والتوحيد في رسائل العدل والتوحيد ، تحقيق محمد عمارة ، القاهرة ، دار الهلال ، 1971 ، ج 1 ، ص 98 .